محمد محمد أبو موسى

244

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

قدرته : ان تدع النفس المثقلة إلى تخفيف ما عليها لا تجد معاونا ولو وجد « ذو قربى » لم يحسن ذلك الحسن « 26 » . ونظم الكلام وترتب معانيه تراعى فيه أحوال النفس وتطبيق الكلام على هذه الأحوال وله في هذا نظر ثاقب يدل على بصر بشؤون النفس وما يعرض لها من أحوال الشعور والانفعال ، يقول في قوله تعالى : « أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ . أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ . أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ . بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ » « 27 » : « وقوله تعالى : « بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي » جواب لقوله : « أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ » وبين الزمخشري لما ذا تأخر جواب القرينة الثانية فيقول : « فان قيل : هلا قرن الجواب بما هو جواب له وهو قوله : « لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي » ولم يفصل بينهما بآية ؟ قلت : لأنه لا يخلو اما أن يقدم على أخرى القرائن الثلاث فيفرق بينهن ، واما أن تؤخر القرينة الوسطى ، فلم يحسن الأول لما فيه من تبتير النظم بالجمع بين القرائن ، واما الثاني فلما فيه من نقض الترتيب وهو التحسر على التفريط في الطاعة ، ثم التعلل بفقد الهداية ، ثم تمنى الرجعة ، فكان الصواب ما جاء عليه وهو أنه حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب » « 28 » . والزمخشري يحرص على أن تكون القرائن متجاورة وألا يفصل بينها بما هو جزء إحداها حتى تتلاقى هذه النغمات الحزينة متجاورة متناغمة تتراجع أصداؤها الوالهة في آفاق النفس المتألمة فتمس أعماقها البعيدة ، وأن يكون هذا الفيض من الحزن والأسى والندم الموجع في وحدة واحدة فيكون الكلام أقدر على إثارة النفس وتحريك الوجدان ، ويحرص كذلك على ألا تتأخر الثانية مكان الثالثة لتجاور جوابها لأن

--> ( 26 ) حاشية الشهاب الخفاجي ج 7 ص 322 ( 27 ) الزمر : 56 - 59 ( 28 ) الكشاف ج 4 ص 107